مقدمة بقلم شربل بعيني

   عجائب أمنا مريم.. مخطوطة تاريخية، نسخها عام 1840، بلغة أو "لهجة" عامية لبنانية قديمة، شدياق مجدليا يوحنا البعيني، دون أن يذكر مصدرها، وقد وصلت إلى جدي طنسا البعيني عن طريقه، وأعتقد أنها النسخة الوحيدة التي كانت متداولة بين أيدي أبناء مجدليا في ذلك الحين.
   وأذكر، كيف كنّا نتجمّع أنا وإخوتي الصغار آنذاك: أنطوان وجورج وجوزاف وميشال ومرسال حول الموقد في دكّان جدتي خرستين لنستمع الى والدي سركيس وهو يقرأ من هذه المخطوطة.. وما أن يسمع المارة صوته حتى يتجمهر العشرات منهم في الدكان، فيجلسون ويقفون ويصغون وكأن فوق رؤوسهم الروح القدس، لا أحد ينبس ببنت شفة. حتى أن جدتي كانت تمنع البيع لأي كان خلال قراءة والدي لإحدى عجائب أمنا مريم العذراء.
   من هنا أخذت هذه المخطوطة قيمتها التاريخية والادبية والايمانية، وأصبحنا نحافظ عليها كأقدس ما نملك، إلى أن زارنا في لبنان في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عمي بولس البعيني المغترب في أستراليا، وطلب المخطوطة من والدي، فحملها الى هذه الديار المضيافة، لتقع بعد وفاته بيد ابنه الياس بولس البعيني. وأذكر يوم ذهبت من سيدني الى ملبورن للمشاركة في تشييع عمي الجبيب، كيف همس الياس في أذني وأنا أعزيه:
ـ كتاب عجائب مريم أصبح ملكي. ولن أسمح لأحد بأن يأخذه مني.
فقلت له والتعجب ظاهر على محياي:
ـ ولكني جئت كي أسترده منكم، فإذا بك تصدني من أول الطريق.
ـ المخطوطة ملكي الآن، ولكن بإمكانك أن تلقي نظرة عليها من بعيد.
   تركت ملبورن، والحزن يلفني على عمي أولاً، وعلى ضياع "العجائب المريمية" من يدي ثانياً، ولكنني لم أيأس، بل رحت أتلاعب بعواطفه وبمحبته لي، إلا أن رضخ للأمر، وأعارني المخطوطة، بعد أن أقسمت له بتربة أبي وأبيه، أن أعيدها له معززة مكرمة.
   الشيء الوحيد الذي لم أخبره عنه، هو أنني سأنقل بعض العجائب من العامية الى العربية الفصحى، وسأطبعها في كتاب أوزعه مجاناً على كل من يريد، غفّارة لنا جميعاً، ولكي يتناقل هذه "العجائب" الأحفاد عن الآباء والأجداد.
   عندما نشرت "العجائب" على صفحات مجلة "الغربة الالكترونية"، كتب أحدهم تعليقاً تحت احداها هاجمني به، وسخر مما جاء بها، وقال: "إنها ضرب من الخيال"، فاسمحوا لي أن أوافقه الرأي، لأن أي عجيبة تحدث، في أي مكان أو زمان، هي أبعد من خيالنا، ولا يمكن أن تفسّرها عقولنا، ومع ذلك ترسّخ الايمان في قلوبنا.. وهنا بيت القصيد.
   أرجو أن أكون قد وفقت، لأن غايتي من نشر هذه "العجائب المريمية" هي التقرّب من الله أكثر فأكثر، وحده الغفور المسامح المحب.
**