الكاهن والشماس

 
 كان أحد الكهنة الأبرار مسافراً مع شمّاسه إلى بلاد معظم شعبها من الهراطقة الملحدين، وكان متمسكاً بعبادة الله، وخاصة السيدة مريم العذراء. وبينما كان يقطع السهول والجبال، مرّ بكنيسة أكلت نصفها النيران، فطلب من شماسه الدخول لتلاوة خدمة القداس، ومن ثم يتابعان السير.
   وما أن وصل الكاهن الى آخر القداس، حتى هاجمه قوم من الملحدين، فمزقوا بذلته الكهنوتية، وقطعوا لسانه كي لا يمجّد المسيح وأمه مريم بعد اليوم.
   حمله الشماس على ظهره مسافة طويلة، إلى أن وصل الى أحد الأديرة المحصنة، فصاح بأعلى صوته:
ـ أنجدوني باسم يسوع المسيح، معي كاهن ينزف دماً.
   وما أن سمعه الرهبان حتى فتحوا باب الدير، وركضوا نحوه مسرعين، وبأيديهم الأدوية والضمادات الطبية وجرار الماء:
ـ من فعل به هكذا؟ من قطع لسانه؟ صاح رئيس الرهبان.
فأجابه الشماس:
ـ قوم من الهراطقة الملحدين.. قطعوا لسانه كي لا يسبّح الرب.
فتمتم الرئيس:
ـ يا لهم من قوم ضالين، يجب أن نصلي من أجلهم كثيراً كي يرشدهم الله الى طريق الخلاص.
   اعتنى الرهبان بالكاهن عناية لا توصف، حتى التأم جرحه، وتعافى كلياً، إلاّ من عدم النطق. وذات يوم طلب من شماسه أن يصطحبه الى كنيسة الدير. هناك ارتمى تحت أيقونة أم الرحمة، وراح يتضرّع اليها بإشارات سريعة من يديه، تمكن الشماس من ترجمتها كلاماً واضحاً:
ـ يا أم الرحمة والمعونة.. يا شفيعة المرضى، ومعزيّة الحزانى، أطلب منك المعذرة لعدم تمكني من الصلاة بصوت عالٍ، لذلك استعدت عنه بإشارات من يديّ، أرجو أن تفهميها وتقبليها مني، ولن أطلب منك إعادة لساني كما كان، لأنني فخور بتضحيته من أجلك، أنت التي بين يديك أستودع روحي.. سامحيني لانقطاعي عن الصلاة مدة طويلة بسبب جرحي الثخين، وأرجوك أن تسامحي أيضاً من تسببوا بهذا الجرح جرّاء قطع لساني، وأن ترشديهم الى طريق الخلاص.
   وما أن أتم صلاته حتى ظهرت السيدة العذراء، وقالت له:
ـ إفتح فمك..
   وكم كان سروره عظيماً عندما رأى لسانه بيد العذراء، وهي تعيده الى فمه.
   وما أن انتهت من عجيبتها المدهشة، حتى صاح بأعلى صوته:
ـ السلام لك يا مريم. السلام لك يا أم يسوعي.
   لم يصدق الرهبان ما سمعوا، فأسرعوا نحو الكنيسة وهم يحملون الشموع والبخور ليشكروا الله على نعمه الكثيرة.
   أما الكاهن وشماسه فلم يخرجا من هذا الدير أبداً، بل قضيا معظم حياتهما متنسكين خاشعين.
**